بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم

من أنا ؟



حقوقية،كاتبة،ناشطة في شؤون بلادي وشؤون المرأة.
لي عدة منشورات ورقية وألكترونية.


المواضيع الأخيرة
»  رسائل .. في النخاع !
الأحد 19 نوفمبر 2017 - 18:22 من طرف ميساء البشيتي

» فيديو تاريخي لمحمود درويش يتجول في الناصرة
الخميس 16 نوفمبر 2017 - 11:49 من طرف ميساء البشيتي

» الـحـرب الـبـاردة الـثـقـافـيـة الدكـتـور عـبـد القـادر حـسين ياسين
الإثنين 13 نوفمبر 2017 - 17:25 من طرف م.أ.البشيتي

» حديث النفس
الأحد 12 نوفمبر 2017 - 18:11 من طرف ريما عز الدين

» رواية الفتى المتيم والمعلم لأليف شافاك
الأربعاء 8 نوفمبر 2017 - 20:40 من طرف ميساء البشيتي

» اهدي بيت شعر للعضو الذى يليك
الثلاثاء 7 نوفمبر 2017 - 20:17 من طرف سعاد شرف الدين

» الظلال
الثلاثاء 7 نوفمبر 2017 - 17:51 من طرف ميساء البشيتي

» آستا . . مُعلمتي الجميلة بقلم: ج . سكولسكي ترجمها من الروسية أ‌. د. حامد طاهر
الإثنين 6 نوفمبر 2017 - 17:47 من طرف هبة الله فرغلي

» اتركـــــــــــوني كما انا بجنــــــوني
الإثنين 6 نوفمبر 2017 - 17:41 من طرف هدى ياسين

» قال آدم .. ردت حواء .
الإثنين 6 نوفمبر 2017 - 17:37 من طرف ورد العربي

» ذاكـرة لـجـيـل كـامـل الدكتور عـبد القادر حسين ياسين
الإثنين 6 نوفمبر 2017 - 17:24 من طرف م.أ.البشيتي

» "وعد بلفور" ملف كامل
الخميس 2 نوفمبر 2017 - 13:49 من طرف مؤيد السالم

» إلى صديقة
الأحد 22 أكتوبر 2017 - 19:28 من طرف ميساء البشيتي

» لقاء أسرة الأدباء والكتاب البحرينيين
السبت 21 أكتوبر 2017 - 11:21 من طرف ميساء البشيتي

» الـتـَرَحـُّم عـلى أيـَّام مـَضـَـت د. عبد القادر حسين ياسين
الجمعة 20 أكتوبر 2017 - 17:57 من طرف م.أ.البشيتي

» الغانم لوفد إسرائيلي: اخرج من القاعة يا محتل
الخميس 19 أكتوبر 2017 - 11:37 من طرف مؤيد السالم

» رسائل بشهوة المطر
الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 17:09 من طرف ميساء البشيتي

» التماثيل لا تشرب القهوة بقلم : منذر أبو حلتم
الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 14:28 من طرف م.أ.البشيتي

» صمت القوافي
الإثنين 16 أكتوبر 2017 - 22:53 من طرف ميساء البشيتي

» تل السكن
السبت 14 أكتوبر 2017 - 16:47 من طرف ميساء البشيتي

»  مـئـة عـام عـلـى الـثـورة التي هــَزَّت العـالـم د. عبد القادر حسين ياسين
الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 17:40 من طرف م.أ.البشيتي

» مقتطفات
الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 17:42 من طرف ميساء البشيتي

» 61 عاما على مجزرة قلقيلية بقلم: احمد ابو اياد
الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 11:36 من طرف م.أ.البشيتي

» قلبي المشاكس بقلم: خيري حمدان
الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 11:15 من طرف م.أ.البشيتي

»  بـــ أحس الآن ــــــــ
الأحد 8 أكتوبر 2017 - 15:43 من طرف رشيد أحمد محسن

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


إلى متى سـَـنـُقـايض الحـَنــينَ بالكـتابة...؟! الدكتورعبدالقادرحسين ياسين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إلى متى سـَـنـُقـايض الحـَنــينَ بالكـتابة...؟! الدكتورعبدالقادرحسين ياسين

مُساهمة من طرف م.أ.البشيتي في الجمعة 1 مايو 2015 - 21:43



 إلى متى سـَـنـُقـايض الحـَنــينَ بالكـتابة...؟!  
  الدكتورعبدالقادرحسين ياسين


الأخ الـعـزيـز حـنــَّـا إبراهـيـم ؛
تحية فـلسـطينية عـطرة وبعــد ؛
 
أسـطر اليك هذه الكلمات وعقارب السـاعة تشـير الى الثالثة فجراَ... بعـد أن غادرتكم في صالة المسافرين ذهبت الى الجناح الشمالي من المطار ليتسـنى لي مشـاهدتك وأنت في الطريق الى الطائرة الني ستحملك الى أرض الوطن...
 
وعندما شـاهدتك تدلف الى داخل الطائرة العملاقة لم أتمالك دمعة حارة تنسـكب على وجنتي...وقد أدهشـني ذلك ؛ فالدموع لم تعرف طريقها الى عـيني منذ مذابح أيلول الأسـود عام 1970...ربما كانت الحالة الوحيدة التي ذرفـت فيها الدمع سـخـياَ عندما فـُجعـت بوفاة بسًّـام...
 
وها أنت تعـود ثانية الى ذرى الجليل...الى تلك الأرض القريبة من القلب ، البعيدة في الجغرافيا...بعـد سـاعات تهبط الطائرة في  "مطار بن غوريون الدولي"...تنتهي الرحلة ، ليبدأ فصل جديد من الملهاة- المأسـاة...
 
أكتب اليك هـذه الكلمات من غرفة المكتبة...أحَـدق في فنجان الشـاي نصف الفارغ وبقايا سـجائرك في المنفـضـة...كانت زيارتك قـصيرة ، قـصيرة كـتحية البحَّارة. عاصفة هوجاء تعـربد في الخارج بشكل جنوني يعيد الى الأذهان غضب الآلهـة في أسـاطيرقدمـاء الإغـريق.
 
رافقتك السـلامة...لا تقلق عليَّ...
 
من أين أبـدأ لك رسـالتي هـذه؟ ها هي المسـافات تمتد ببيننا ، وها هو الزمان يحفر مجراه عـميقا َ في نفوسـنا. تبقى السـويد مجرد منفى آخر...لقد تعودت أن أخرج من غربة الى غربة ، ومن منفى الى منفى ، بانتظار غربة جديدة أو منفى جديد...
 
كنت أبحث عن وطن...فـصرت أبحث عن منفى. لقد ضاقت بي أرض العـروبة بما رحبت...ليس ثمة ما هو أقسـى من الغربة الا الشـعـور بالاغتراب ؛ فما بالك اذا اجتمعـت الغـربة والاغـتـراب في شخص واحد كما هو الحال بالنسـبة لي؟
 
أدرك جيداَ بحر الكآبة الذي نبحر فيه جميعاَ ، وأخشى ما أخشـاه ، اذا اسـتمر الحال على هـذا المنوال ، أن يتحول بحر الكآبة الى محيط الأحزان. وعلى الرغم من أنني لا أؤمن بالأقدار (أعتبرها نوعـاَ من الرضوخ والتسـليم لأمر يَحار العـقـل في فهمـه) الا أنني -  أحياناَ - أتصور وكأنه كتب على شـعـبنا الفلسـطيني أن يكون تجسـيدا لأسـطورة الهولندي الطائر The Flying Dutchman الذي تمرد على الآلهـة (وما أكثر آلهـتنا...إنهم نيف وعشـرون!!) فـقـضت بعـقابه عـقاباَ لم يعرفـه الأوَّلون...وهو أن يظل هـائمـاَ على وجهـه في أربعة أركان الأرض... ولكن قـدرنا أن نظل أسـرى ذلك الحلم الجميل ؛ لهذا لا أود أن أكون أنانيـاَ فأضيف الى بحر كآبتك موجة (أو ، ربما ، أمواجـاَ) من بحر كآبتي الذي كاد أن يتحول الى محيط...
 
بالأمس سـألتني ، ونحن نحتسـي الشـاي ، لماذا كنت غارقـاَ في التفكير ؟ لم أرغب في إفسـاد تلك اللحظات التي نختلسـها اختلاسـاَ (من يدري ، متى نلتقى ، هـذا اذا كنا سـنلتقي أصـلا ؟)
 
قبل قليل تعانق عـقـربا السـاعة لتعلن الثامنة صباحاً . أعتقد أنك الآن في مطار اللّـد...هل بدأ رجال "الموسـاد" باسـتجوابك ، كعادتهم في كل مرة تعود فيها الى أرض الوطن؟
 
هل من المعقـول؟ كل شـئ مفتوح على اللامعقول... وكأننا نقرأ من كتاب لصمويل بكيت أو ألبير كامو...
 
الى متى سـنظل بانتظار "غـودو"؟!
الى متى سـأظل أغـبطـك؟
الى متى سـتـغـبطينني؟
والى متى سـنقايض الحنين بالكتابة؟!
والى متى ســنـتـدفأ من الكلام بالكلام؟
 
هل تعرف ماذا أصـابني مسـاء أمس؟
هو ما يصيبني هذه اللحظات...
قـل  لي بربك : من أين اسـتوردت هـذا السـلام مع النفس؟
من أين نهلت نعمة المحافظـة على المسـافة اللازمة بين حركة الواقع الإنقلابية وبين ثبات المثال؟
 
قـد لا تصدق اذا قلت لك بأنني لم أشـعـر  ، في حياتي كلها ، بأن لي بيتاً. ولا أغالي اذا قلت بأن أكثر ما يثير سـخريتي هو أن أسـمع عبارة المجاملة التقليدية : ؟لا تخجل...اعتبر البيت بيتك!"
 
لقـد تركت فيَّ مذاق مرارة وغـياب... لقد أصـابني هذا الصباح ما أصابني قبل أسـبوعـين من بلوى الضعـف البشـري ، حين ذهبت الى مطار سـتوكهولم لوداع الأخ والصديق الدكتور حسـن الخواجة (ربما الوداع الأخير؟!) / أحـد ألمع العلماء الفلسـطينيين الذين يعـتز شـعـبنا بهم.
 
الدكتور حسـن الخواجة حائز على درحة الدكتوراة في الفيزياء النووية من جامعة العلم والتكنولوجيا في موسكو. وفي طريق عودته الى الوطن زارني في السـويد وأمضينا معاً سـتة أيام لم نخرج طوالها من غرفة المكتبة... كان اذا شـعـر بالتعـب يريح جسـمه الضئيل الذي أنهكـه المرض على الكنبة الوحيدة الموجودة في البيت.
 
قال لي وهو يكاد يختنق بالعبرات :
"إنني عائد الى الوطن. أعرف أنني عائد الى السـجن...ولكنني عائد الى الوطن...
ان أمنيتي أن أدفن هنـاك ، قرب شـجرة التوت...
لقد طال الشـتات ، وتعبت من العيش في بلاد الآخرين...
ثلاثون عاماً وأنا في غربة واغتراب...
لم يبق من العمر أكثر مما مضـى.."
 
ولأول مرة ، منذ أن تعرفت اليه في موسكو قبل 30 عـامـاً ، لم أجرؤ على أن أحـدق في عـينيـه... لقد تجمعت كل أحزان شـعـبنا في تينك العـينين العسـليتين.
 
قبل خمس سنوات كنت في زيارة للصديق  البروفيسـور مانفريد فون رايشـناو ، أسـتاذ العلوم السـياسـية بجامعة هايدلبيرغ في ألمـانيا. وكان معـنا سـتة أصدقاء آخرون . وبعـد الزيارة ذهب الدكتور فون رايشـناو الى المطار لوداعـنا... وفجأة ، وبدون مقـدمات ، سـألني : "ان أصـدقاءنا المشتركين في طريق عودتهم الى أوطانهم... فالى أين أنت عـائد؟"... حدقت به مـُطولا وقلت له : "الى المنفى...بانتظار غربة جديدة... أو منفى جديد!"
 
ماذا أصـابني ؟!
لماذا أعـود الى اكتشـاف البسـيط ؟!
لماذا يجرحني بسـيط البسـيط ؟!
لمـاذا أتذكر - الآن ؟ - أنني قد نسـيت البسـيط ؟!
هل نحن بحاجة الى الخوارق والمعجزات لكي نفهم البسـيط البسـيط ؟!
ألأنني كبرت دون أن أدري ؟!
 
انني أختنق...ان الكلمات تخونني فلا أحسـن التعبير... الآن... الآن فقط... أدركت مدى حاجتي الى انسـان أعـود اليه... أن يكون معي ، يؤنس وحـدتي هـذه ...
 
هل عرفت يوماً معنى الوحـدة التي تزيدها برودة الطقس إحسـاسـاً بالألم ؟
هل خطر ببالك يومـاً ماذا يمكن أن يفعل انسـان وجـد نفسـه غارقـاً في الوحـدة ؟
 
أنا أيضـاً يعـضني ضميري... أنا أيضـاً أحـد الذين يحملون أنفسـهم المسـؤولية عن العـزلـة التي غرق فيها الدكتور ابراهيم ناصر... أجل ، يا عـزيزي ، نحن مسـؤولون - شـئنا أم أبينـا -  وبكل ما يعـنيه الشاعـر ، في جدل الأخضر والخـنجر ، عن موت الشـعـراء والأنبياء...
 
كان عليَّ أن أفعل شـيئاً لانقـاذ ابراهيم...
ولكن ماذا سـيصيب سـؤالنا لو أدركنا أننـا عاجزون ؟ مزيد من الخلوة لحجب الدموع عن الأصـدقاء والأعـداء . تلك هي المسـافة (لا القطيعة) بين ما نريد وما نسـتطيع...
 
لقـد إنكسـر ابراهيم ناصر كما ينكسـر السَـرْو العالي.
كان يكتب اليَّ من ريكيافيك في آيسـلندة ، تلك البلاد المتجمـدة التى أحـاطـه أهلـها بالدفء ، وفي معظم الأحيان كان يسـتبطئ البريد (رغم أن خدمـات البريد في الدول الاسكندنافية من أفضل الخدمات في أوروبا كلهـا ؛ إن لم تكن أفضلـهـا على الاطلاق) ، فيتصل بي في السـاعة الثانية صبـاحـاً ، ويسـتمر حديـثـنا ، أحيانا ، سـاعة كاملة .
 
وكنت أحُـث الأصـدقاء على مراسـلته...
هل كانوا كـسـالى ، أم كانوا يفـتـقـرون الى حاسـة المنفى ، وحاجة المنفى (وخاصـة في الدائرة القطبية الشـمالية) الى جسـور معـنوية ؟
لا أعرف... هـذه أسـئلة تحفر في الندم ...
 
لقـد جرحـناه بذلك الإهـمـال الصبياني البريء... على الرغم من أنـه كان صديـقــنا ومثـالنا... هـل كانت الدائرة القطبية الشـمالية ضيِّـقة على ابراهيم الى هـذا الحـد ؟
 
عندما كنت في بيروت (قبل 35 عاما ، أي قبل أن  نفقـد "خيمتنـا الأخيرة" ، وقبل أن تغيب "نجمتنـا الأخيرة" ، وقبل أن نصبح "كالأيتـام على موائد اللئـام") اتصلت به ، ودعـوتـه الى زيارتي في مخيم برج البراجـنـة ، تلك "القلعـة الفلسـطينية المحاصرة" - على حـد تعبيره -  فـلبَّـى الدعـوة بطيبتـه المعروفـة.
 
أوقـفـه رجال الشـرطة اللبنانيون أربع سـاعات كاملة في مطار بيروت الدولي ، وعندمـا أفرجوا عن قـامته الفارعـة التي تعـيـد الى الأذهان صور أولئك الفـلسـطينيين القـدماء القادمين من جزيرة كريت ، وعانقـتـه مداعـبـاً شـاربيه الأسـطوريين ، قال لي : "هل تعـلم ماذا كنت أتمنى طوال السـاعات الأربع الأخيرة ؟ كنت أتمنى أن أكون سجيناً في عـسـقلان على أن أعـامل بهـذه الطريقة المهينـة ؟ ألسـنا عـربـاً مثلهم ؟... لقـد صُـعـقـت عندمـا شـاهدت السـائح الأمريكي وهو ينهي اجراءات الدخول في أقل من ثلاث دقائق... وسـط عـبارات الترحيب من قبل ضباط الأمن اللبنانيين... يبدو أن أخوتنا في العروبة والإسـلام يعتبرون أن كل فـلسـطيني مشـبوهٌ الى أن يثبت العـكس... كنت آمل أن أسـتعيد ايماني بعروبتي فاذا بي أزداد كفراً بهـا..."
 
قـلت لـه مواسـياً : مـَن مـِنــَّا لم تسـتقبله هـذه الحسـرة ؟ نحن الفلسـطينيون نذهب الى بلاد الأحلام ليدفعنا أول شـرطي عربي الى بئر الخيبة والخذلان...
 
طأطأ شـغـفـه وواصل العـناق . قلت له : يحدث لي ذلك في كل مطار عـربي... كنت في زيارة للعراق بدعوة رسمية من جامعة بغـداد . وفي مطار بغـداد "اكتشـف" ضابط الأمن العراقي أن اسـمي مدرج على اللائحة السـوداء التي تضم - كما قال لي فيما بعـد - "أعـداء الحزب والثورة" [ كـذ...ا!!] .
 
في بيروت اسـتعاد ابراهيم عافيته المعنوية تدريجياً. عـرَّفـته بمعظم المثقـفـين الفـلسـطينيين من كتاب وصحافيين وشـعراء وفنانين … فرح بهم ، وفرحوا به كثيرا كواحد من أبرز الباحثين في الحضارات القديمة . دعاه الدكتور قسـطنطين زريق الى القـاء سـلسـلة محاضرات في الجامعة الأمريكية . أمضى ابراهيم في بيروت (أو ، بالأحرى ، في برج البراجنـة) أسـبوعين كاملين اختلف فيهما مع بعض أصـدقائه القدامى -  كما قال - ثم عـاد الى صقيع آيسـلندة الذي "يحنو عليَّ أكثر من بعض العرب"… عاد ابراهيم الى ريكيافيك يبحث عن نفس لن يجـدهـا .
 
كان متعـَبـاً… قلقـاً … خائفـا ؟ لسـت أدري… لقد ضاقت به الأرض بما رحبت ؛ وعندما كان يلتفت الى "الوراء" كان "الوراء" يبتعـد مهما سـلط عليه الذاكرة . لم يجـد ما يشـغل به منفـاه… ولم يكن الحنين مهنـة كافية.
 
أتذكر الآن أنني سـألته مرة : لماذا لا تعـود الى الوطن ؟ أجابني بصوت يتلاشـى الى البعـيد البعـيد ، بصوت فاتح الغموض " ليتني أعـود … ولكنني تورطت في المنفى … تورطت لدرجة أسـأل معها نفسـي ماذا سـأفعل ؟ ماذا سـيفعـل باحث فلسـطيني مثلي في جامعة بن غوريون أو متحف التاريخ اليهودي ، لا… لا فائدة ترجى من عـودتي ."
 
وفي كل مرة كنت أزور فيها النرويج أو آيسـلندة كان يأتي الى الفـندق ليأخذني الى شـقته الصغيرة لتـناول "المجَّـدرة" . كان يعـتبر هـذه الأكلة الشـعـبية أحـد التعابير عن هـويته الفلسـطينية… كان يتقن طهوهـا ، وكان يتحـدث الى ضيوفه الأوروبيين عن كيفية تحضيرها بطريقة لا تخلو من الإعـتزاز .
 
ابراهيم ناصر لم يهاجر من سـخنين . لم يعرف أوسـلو ولا ريكيافيك… لم يكلف نفسـه عناء تعلم النرويجية أو الآيسـلندية (كان يفهم الحديث باللغتين) ؛ وعندما سـألته مرة : لماذا  ؟ قال لي : " لشـو هالغـلبة ؟" . أراد أن يبقى فـلسـطينيا كما هو . من حولـه تمر الأيام ، والتيارات ، والأمواج ، والشـعـوب… وهو هو.. كان يمازح أصدقاءه النرويجيين بقولـه : "أين هي حضـارة الفايكنغ التي تتحـدثون عـنهـا؟؟ ان بلادنا ، فلسـطين ، أول أرض أشـرق عليها فجر التاريخ…" كان في سـخنين ، كما كان في ريكيافيك أو أوسـلو ، نموذجـاً للفلاح الفلسطيني .
 
لمـاذا لم يكتبوا اليه بعـض الرسـائل ؟
لماذا لم يُشـغـلوه ببناء الجسـور والمواعـيد ؟
لمـاذا أراني أسـتخدم ضمير الغائب الجمع ؟
ترى ؛ هل أعـفي تفسـي مما حدث لإبراهيم ؟
لمـاذا تركته وحيـداً في صقيع ريكيافيك ؟
 
كنت آخر من رآه . كنت في زيارة عمل لآيسـلندة ، ودعاني - كعادته دائمـاً – لتناول المجَّـدرة… حاولت الإعـتذار لإرتباطي بمواعـيـد سـابقة . رفض بقوة ، وقال بلهجـة الأمر : " ثمة حافلة تغادر تشيركي الى ريكيافيك في التاسـعة صباحـاً . سـأكون بانتظارك في محطـة الحافلات المركزية."
 
وأعـترف بأنه لم يكن لـديَّ ما أفـعـلـه في ريكيافيك… هل من المعـقول أن أسـافر ثلاث سـاعات بالحافـلـة لتناول طبق من المجَّـدرة ؟! وذهبت اليه … وأمضينا الليل بكاملـه في حديث متصـل ؛ وفي صباح اليوم التالي رافـقـني الى محطـة الحافلات ، وشـدَّ على يدي مودعـاً وقال : "غـداً تعـود الى السويد ، وأبقى أنا هـنا …" وأشـار بـيـده الى جبال الجـليد التي تبدو كوحوش الأسـاطير في الميثولوجيا الإسـكندنافية . ولم يخطر ببالي قط أن هـذه سـتكون آخر عـبارة أسـمعها منه شـخصياً .
 
في التاسـعة من مسـاء اليوم نفسـه جاءني صوته عبر أسـلاك الهاتف طالبا اليَّ أن أحضر الى ريكيافيك "على أول طائرة" . قلت له أنني لا أسـتسيغ هذا النوع من المزاح… ألحَّ عليَّ أن أذهـب اليه . رفضت ؛ قال لي أنـه "في حاجة ماسـة" الى من يتكلم معـه . قلت لـه أنني مرهـق ، ومفـلس ، وأشعـر بالقرف من كل ما حولي… وتركتـه .
 
ليتني ذهبت اليـه ؛
ليتني ذهبت …
لقد انقضَّ عـليه الليل القـطبي ،
توغَـل في العـزلـة المطلقـة ،
وكان وحـيداً في بطن الوحش : لقـد كفر بكل شئ .
أشـعـل النار في مئات المخطوطات وعشـرات الأشـرطة التي سـجـَّل عليها محاضراته وأبحاثه…فاختنق بعصـارة فكره .
 
كان انقـاذ ابراهيم ممكنـاً لو وجـد من يؤنس وحـشـة روحه في مدينة قطبية نائية كريكيافيك .
خمسـة عشـر عامـاً أمضـاها ابراهيم وحيداً في آيسـلندة ؛ وعـندما صرعـتـه الوحـدة لم يجـد الى جانبـه أحـداً… لا أحـد .
كان من الممكن انقـاذه لو كانت هـناك يد ،
أو رسـالة ، أو مكالمـة ،
أو سـبب للحيـاة… لا أحـد.... لا أحـد..
 
لقـد أطلت عليك الحديث ؛ أختتم رسـالتي هـذه برجـاء أن لا تبخـل عليَّ برسـائلك أو مكالماتك الهاتفية… أنقذني من سـطوة هـذا الحنين ، من هـذه الوحشـة القاتلة.
 
أختتم بالمودة الخالصـة ، فأبعث اليك من السـويد بأصـدق تحياتي متمنيـاً لك على الدوام حياة مشـرقة باسـمة .
 
بإخـلاص
 
عبدالقادر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وأكاديمي فلسـطيني مـقـيـم في السـويد

 
avatar
م.أ.البشيتي
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 289
تاريخ التسجيل : 03/12/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى